صبري القباني

436

الغذاء . . . لا الدواء

إن دعاة الطعام الذين يحيطون بالغموض ذلك الفرق بين الغذاء والدواء كثيرون بيننا في مختلف الأوقات والأزمنة . ففي مستهل هذا القرن مثلا زعم هوراس فليتشر أن المضغ الجيد مرادف للصحة الجيدة ، وظل الناس بعد هذا الزعم بسنوات كثيرة وهم يمضغون كل لقمة خمسين مرة انتجاعا للصحة المتألقة . وفي الفترة التي تلت عام 1920 جاء الكيميائي الفرنسي « فردريك كويه » بنظرية جديدة تقول : إن الصحة شيء موجود في الخيال . وظل الناس بعده سنوات طويلة وهم يوحون لأنفسهم بالصحة عن طريق ترديد أمثال هذه العبارة : « إنني بخير ، إنني بخير » وجاء بعده « هوارد هاي » الذي حذر الناس من تناول البروتئينات والنشويات في وجبة واحدة . . وكم من ملايين الشباب في العقد الرابع من هذا القرن توجهوا بكل قواهم إلى أقراص الخمائر والحديد وهم يظنون أنها منتجع الصحة وترياقها . غير أن مزاعم هؤلاء الأفراد القلائل بالرغم من الآثار العميقة التي أحدثتها في نفوس الناس لا تقاس بالنظريات التي يخرج بها عشرات الأشخاص في هذه الأيام وكلها مزاعم كاذبة خاطئة يحاولون بها أن يوهموا الناس بأنهم جياع في عصر الوفرة في الرزق . . وهكذا أخذ ملايين الناس يحشون أجسامهم بفيتامينات ليسوا في حاجة إليها ، وما ذلك إلا لأنهم خدعوا بأقوال الدعاة الذين لا يتورعون عن وصف القواقع البحرية وأعشاب البحر لاسترجاع القوة المفقودة أو العنب لعلاج السرطان وما إلى ذلك . بل إن هنالك عددا كبيرا من الأطباء انتابتهم نفس الحمى ، حمى الدعوة إلى الطعام كعلاج للأمراض ، ومنهم من يصف خل التفاح لعلاج عشرات الأمراض ، والعسل لحمي المفاصل وانسداد الأنف والتبول في الفراش ومنهم من يدعو إلى نبذ نظرية الوحدات الحرورية ويطالب باعتماد زيت بذرة عين الشمس . واليوم نرى أن الشركات المنتجة للأدوية المختلفة تلاقي إقبالا لا مثيل له على ما تنتجه من أقراص الفيتامينات والمعادن . ومع أن هذه الشركات تتجنب أن تجاري المتطرفين في ادعاءاتهم حول القوة الشفائية لما تنتجه ، إلا أنها ما تزال تبيع أدوية يقول كبار العلماء إن القليلين منا يحتاجون إليها . إن هذا كله من سوء الطالع ، فنحن نستطيع أن نرى بوضوح أن معظم العائلات تستطيع الحصول على مواد التغذية اللازمة لحسن صحة أفرادها بدون أقل صعوبة لو أنها أحسنت انتقاء هذه المواد . وبالإضافة إلى تبديد الأموال فيما لا طائل تحته ولا فائدة منه فإن رجال الطب